فصل: (بَابُ الْيَمِينِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: العناية شرح الهداية



.(بَابُ الْيَمِينِ فِي الْخُرُوجِ وَالْإِتْيَانِ وَالرُّكُوبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ):

قَالَ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ فَأَمَرَ إنْسَانًا فَحَمَلَهُ فَأَخْرَجَهُ حَنِثَ) لِأَنَّ فِعْلَ الْمَأْمُورِ مُضَافٌ إلَى الْآمِرِ فَصَارَ كَمَا إذَا رَكِبَ دَابَّةً فَخَرَجَتْ (وَلَوْ أَخْرَجَهُ مُكْرَهًا لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ الْفِعْلَ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَيْهِ لِعَدَمِ الْأَمْرِ (وَلَوْ حَمَلَهُ بِرِضَاهُ لَا بِأَمْرِهِ لَا يَحْنَثُ) فِي الصَّحِيحِ، لِأَنَّ الِانْتِقَالَ بِالْأَمْرِ لَا بِمُجَرَّدِ الرِّضَا.
الشَّرْحُ:
(بَابُ الْيَمِينِ فِي الْخُرُوجِ وَالْإِتْيَانِ وَالرُّكُوبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ) ذِكْرُ الْخُرُوجِ هَاهُنَا ظَاهِرُ التَّنَاسُبِ لِأَنَّ لَهُ مُنَاسَبَةَ الْمُضَادَّةِ بِالدُّخُولِ، وَأَمَّا الْإِتْيَانُ وَالرُّكُوبُ فَمَا يَتَحَقَّقُ بَعْدَ الْخُرُوجِ فَاسْتَصْحَبَهُمَا ذِكْرُ الْخُرُوجِ.
قَوْلُهُ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ) ظَاهِرٌ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الدَّارِ وَالْبَيْتِ.
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ أَخْرَجَهُ مُكْرَهًا) صُورَتُهُ أَنْ يَحْمِلَهُ إنْسَانٌ فَيُخْرِجَهُ مُكْرَهًا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْفِعْلُ لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا، وَأَمَّا إذَا هَدَّدَهُ غَيْرُهُ فَخَرَجَ خَوْفًا مِنْ الْمُكْرِهِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ لِوُجُودِ الْفِعْلِ مِنْهُ، ثُمَّ هَلْ تَنْحَلُّ الْيَمِينُ إذَا حَمَلَ مُكْرَهًا، قِيلَ تَنْحَلُّ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ فَهَبَّتْ بِهِ الرِّيحُ وَأَلْقَتْهُ فِيهَا لَمْ يَحْنَثْ وَانْحَلَّتْ الْيَمِينُ، وَقِيلَ لَا تَنْحَلُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَقَوْلُهُ (فِي الصَّحِيحِ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إنَّهُ يَحْنَثُ لِمَا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الِامْتِنَاعِ فَلَمْ يَمْتَنِعْ صَارَ كَالْآمِرِ بِالْإِخْرَاجِ. قَالَ (وَلَوْ حَلَفَ لَا يَخْرُجُ مِنْ دَارِهِ إلَّا إلَى جِنَازَةٍ فَخَرَجَ إلَيْهَا ثُمَّ أَتَى حَاجَةً أُخْرَى لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ الْمَوْجُودَ خُرُوجٌ مُسْتَثْنًى، وَالْمُضِيَّ بَعْدَ ذَلِكَ لَيْسَ بِخُرُوجٍ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَالْمُضِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ لَيْسَ بِخُرُوجٍ) يَعْنِي أَنَّ الْخُرُوجَ عِبَارَةٌ عَنْ الِانْتِقَالِ مِنْ الدَّاخِلِ إلَى الْخَارِجِ وَلَمْ يُوجَدْ. (وَلَوْ حَلَفَ لَا يَخْرُجُ إلَى مَكَّةَ فَخَرَجَ يُرِيدُهَا ثُمَّ رَجَعَ حَنِثَ) لِوُجُودِ الْخُرُوجِ عَلَى قَصْدِ مَكَّةَ وَهُوَ الشَّرْطُ، إذْ الْخُرُوجُ هُوَ الِانْفِصَالُ مِنْ الدَّاخِلِ إلَى الْخَارِجِ (وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْتِيهَا لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَدْخُلَهَا) لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْوُصُولِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا} وَلَوْ حَلَفَ لَا يَذْهَبُ إلَيْهَا قِيلَ هُوَ كَالْإِتْيَانِ، وَقِيلَ هُوَ كَالْخُرُوجِ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الزَّوَالِ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ حَلَفَ لَا يَخْرُجُ إلَى مَكَّةَ) هَاهُنَا ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ: الْخُرُوجُ وَالْإِتْيَانُ وَالذَّهَابُ وَالْأَوَّلُ شَرْطُ الْحِنْثِ بِهِ الِانْفِصَالُ بِمُجَاوَزَةِ عِمْرَانِ مِصْرِهِ قَاصِدًا لِذَلِكَ دُونَ الْوُصُولِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ} وَأَرَادَ بِهِ الِانْفِصَالَ.
وَالثَّانِي شَرْطُهُ الْوُصُولُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ} فَإِذَا وَصَلَ حَنِثَ سَوَاءٌ كَانَ قَاصِدًا أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَالثَّالِثُ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمَشَايِخُ قَالَ نَصْرُ بْنُ يَحْيَى هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْإِتْيَانِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {اذْهَبَا إلَى فِرْعَوْنَ} وَالْمُرَادُ بِهِ الْإِتْيَانُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْخُرُوجِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ} وَالْإِذْهَابُ الْإِزَالَةُ، فَيَكُونُ الذَّهَابُ زَوَالًا فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْوُصُولُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الزَّوَالِ). (وَإِنْ حَلَفَ لَيَأْتِيَنَّ الْبَصْرَةَ فَلَمْ يَأْتِهَا حَتَّى مَاتَ حَنِثَ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ) لِأَنَّ الْبِرَّ قَبْلَ ذَلِكَ مَرْجُوٌّ. (وَلَوْ حَلَفَ لَيَأْتِيَنَّهُ غَدًا إنْ اسْتَطَاعَ فَهَذَا عَلَى اسْتِطَاعَةِ الصِّحَّةِ دُونَ الْقُدْرَةِ، وَفَسَّرَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَقَالَ: إذَا لَمْ يَمْرَضْ وَلَمْ يَمْنَعْهُ السُّلْطَانُ وَلَمْ يَجِئْ أَمْرٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى إتْيَانِهِ فَلَمْ يَأْتِهِ حَنِثَ، وَإِنْ عَنَى اسْتِطَاعَةَ الْقَضَاءِ دَيْنٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى) وَهَذَا لِأَنَّ حَقِيقَةَ الِاسْتِطَاعَةِ فِيمَا يُقَارِنُ الْفِعْلَ وَيُطْلَقُ الِاسْمُ عَلَى سَلَامَةِ الْآلَاتِ وَصِحَّةِ الْأَسْبَابِ فِي الْمُتَعَارَفِ.
فَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ وَتَصِحُّ نِيَّةُ الْأَوَّلِ دِيَانَةً لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ ثُمَّ قِيلَ وَتَصِحُّ قَضَاءً أَيْضًا لِمَا بَيَّنَّا، وَقِيلَ لَا تَصِحُّ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
الشَّرْحُ:
(وَلَوْ حَلَفَ لَيَأْتِيَنَّهُ غَدًا إنْ اسْتَطَاعَ فَهَذَا عَلَى اسْتِطَاعَةِ الصِّحَّةِ دُونَ الْقُدْرَةِ) اعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ تُطْلَقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: أَحَدِهِمَا صِحَّةُ الْأَسْبَابِ وَالْآلَاتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا} وَفَسَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ.
وَالثَّانِي الْقُدْرَةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَهِيَ نَوْعٌ عَلَى حِدَةٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْفِعْلُ عِنْدَ إرَادَتِهِ إرَادَةً جَازِمَةً يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ الْفِعْلِ لَا قَبْلَهُ عِنْدَنَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ} إذَا عَرَفْت هَذَا فَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ كَلَامُهُ يَنْصَرِفُ إلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَعَارَفُ، وَإِنْ عَنَى الثَّانِيَ وَقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ بِاسْتِطَاعَةِ الْقَضَاءِ صَدَقَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ نَوَى أَيْ أَرَادَ حَقِيقَةَ كَلَامِهِ.
وَقِيلَ يَصْدُقُ قَضَاءً أَيْضًا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ.
وَقِيلَ لَا يَصِحُّ قَضَاءً لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْمُتَعَارَفُ وَفِيهِ تَخْفِيفٌ عَلَى نَفْسِهِ. (وَمَنْ حَلَفَ لَا تَخْرُجُ امْرَأَتُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ فَأَذِنَ لَهَا مَرَّةً فَخَرَجَتْ ثُمَّ خَرَجَتْ مَرَّةً أُخْرَى بِغَيْرِ إذْنِهِ حَنِثَ وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِذْنِ فِي كُلِّ خُرُوجٍ) لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى خُرُوجٌ مَقْرُونٌ بِالْإِذْنِ، وَمَا وَرَاءَهُ دَاخِلٌ فِي الْحَظْرِ الْعَامِّ.
وَلَوْ نَوَى الْإِذْنَ مَرَّةً يُصَدَّقُ دِيَانَةً لَا قَضَاءً لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ (وَلَوْ قَالَ إلَّا أَنْ آذَنَ لَك فَأَذِنَ لَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَخَرَجَتْ ثُمَّ خَرَجَتْ بَعْدَهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ هَذِهِ كَلِمَةُ غَايَةٍ فَتَنْتَهِي الْيَمِينُ بِهِ كَمَا إذَا قَالَ حَتَّى آذَنَ لَك.
الشَّرْحُ:
وَلَوْ حَلَفَ لَا تَخْرُجُ امْرَأَتُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ احْتَاجَ إلَى الْإِذْنِ لِكُلِّ خُرْجَةٍ حَتَّى لَوْ أَذِنَ لَهَا مَرَّةً فَخَرَجَتْ ثُمَّ خَرَجَتْ بِلَا إذْنٍ حَنِثَ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى خُرُوجٌ مَقْرُونٌ بِالْإِذْنِ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ وَاَللَّهِ لَا تَخْرُجِي إلَّا خُرُوجًا مُلْصَقًا بِإِذْنِي لِأَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ فَيَقْتَضِي مُلْصَقًا وَمُلْصَقًا بِهِ فَيَكُونُ مَا وَرَاءَهُ: أَيْ مَا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى دَاخِلًا تَحْتَ الْحَظْرِ الْعَامِّ (وَلَوْ نَوَى الْإِذْنَ مَرَّةً صَدَقَ دِيَانَةً لَا قَضَاءً لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ) لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِمُقْتَضَى الْبَاءِ.
وَلَوْ قَالَ إلَّا أَنْ آذَنَ لَك كَفَى إذْنٌ وَاحِدٌ لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ.
وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ} وَكَانَ تَكْرَارُ الْإِذْنِ لَازِمًا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {إنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ} وَتَمَامُ التَّقْدِيرِ فِيهِ ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَنْوَارِ وَالتَّقْدِيرِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ لِأَنَّ هَذِهِ كَلِمَةُ غَايَةٍ: أَيْ كَلِمَةٌ تُفِيدُ مَعْنَى الْغَايَةِ لِأَنَّ إلَّا أَنَّ لَيْسَ مَوْضُوعًا لَهَا بَلْ لِلِاسْتِثْنَاءِ، وَتَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ لِأَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْإِذْنِ حَتَّى يُسْتَثْنَى الْإِذْنُ مِنْهُ فَيُجْعَلُ مَجَازًا عَنْ حَتَّى لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ أَنَّ حُكْمَ مَا قَبْلَ الْغَايَةِ مُخَالِفٌ لِمَا بَعْدَهَا، كَمَا أَنَّ حُكْمَ مَا قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ يُخَالِفُ حُكْمَ مَا بَعْدَهُ. (وَلَوْ أَرَادَتْ الْمَرْأَةُ الْخُرُوجَ فَقَالَ إنْ خَرَجْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَجَلَسَتْ ثُمَّ خَرَجَتْ لَمْ يَحْنَثْ) وَكَذَلِكَ إذَا أَرَادَ رَجُلٌ ضَرْبَ عَبْدِهِ فَقَالَ لَهُ آخَرُ إنْ ضَرَبْته فَعَبْدِي حُرٌّ فَتَرَكَهُ ثُمَّ ضَرَبَهُ وَهَذِهِ تُسَمَّى يَمِينَ فَوْرٍ.
وَتَفَرَّدَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِإِظْهَارِهِ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ الرَّدُّ عَنْ تِلْكَ الضَّرْبَةِ وَالْخُرْجَةِ عُرْفًا، وَمَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَيْهِ.
(وَلَوْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ اجْلِسْ فَتَغَدَّ عِنْدِي قَالَ إنْ تَغَدَّيْت فَعَبْدِي حُرٌّ فَخَرَجَ فَرَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ وَتَغَدَّى لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ كَلَامَهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْجَوَابِ فَيَنْطَبِقُ عَلَى السُّؤَالِ فَيَنْصَرِفُ إلَى الْغَدَاءِ الْمَدْعُوِّ إلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ إنْ تَغَدَّيْت الْيَوْمَ لِأَنَّهُ زَادَ عَلَى حَرْفِ الْجَوَابِ فَيُجْعَلُ مُبْتَدَأً.
الشَّرْحُ:
قَالَ (وَلَوْ أَرَادَتْ الْمَرْأَةُ الْخُرُوجَ) صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ ظَاهِرَةٌ (وَتُسَمَّى هَذِهِ الْيَمِينُ يَمِينَ فَوْرٍ) وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ فَارَتْ الْقِدْرُ إذَا غَلَتْ، فَاسْتُعِيرَ لِلسُّرْعَةِ ثُمَّ سُمِّيَتْ بِهِ الْحَالَةُ الَّتِي لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَا لَبْثَ، فَقِيلَ جَاءَ فُلَانٌ وَخَرَجَ فُلَانٌ مِنْ فَوْرِهِ: أَيْ مِنْ سَاعَتِهِ (وَتَفَرَّدَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِإِظْهَارِهِ) أَيْ بِاسْتِنْبَاطِهِ، وَكَانَ النَّاسُ قَبْلَهُ يَعْلَمُونَ الْيَمِينَ عَلَى نَوْعَيْنِ: مُؤَبَّدَةٍ، وَمُؤَقَّتَةٍ لَفْظًا.
ثُمَّ اسْتَنْبَطَ أَبُو حَنِيفَةَ هَذَا النَّوْعَ الثَّالِثَ وَهُوَ الْمُؤَبَّدُ لَفْظًا وَالْمُؤَقَّتُ مَعْنًى، وَقَدْ أَخَذَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَابْنِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حِينَ دُعِيَا إلَى نُصْرَةِ رَجُلٍ فَحَلَفَا أَنْ لَا يَنْصُرَاهُ ثُمَّ نَصَرَاهُ وَلَمْ يَحْنَثَا، وَاعْتُبِرَ فِي ذَلِكَ الْعُرْفُ فَإِنَّ الْحَالِفَ فِي الْعَادَةِ يَقْصِدُ بِهَذَا اللَّفْظِ مَنْعَهُمَا عَنْ الْخُرْجَةِ الَّتِي تَهَيَّأَتْ لَهَا إلَّا مِنْ الْخُرُوجِ عَلَى التَّأْيِيدِ، فَإِذَا عَادَتْ فَقَدْ تَرَكَتْ تِلْكَ الْخُرْجَةَ وَانْتَهَتْ الْيَمِينُ فَلَا يَحْنَثُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ خَرَجَتْ وَالْعُرْفُ لَهُ اعْتِبَارٌ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ؛ وَعَلَى هَذَا لَوْ أَرَادَ الرَّجُلُ ضَرْبَ عَبْدِهِ فَقَالَ آخَرُ إنْ ضَرَبْته فَعَبْدِي حُرٌّ يَتَقَيَّدُ بِتِلْكَ الضَّرْبَةِ، وَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ لَهُ اجْلِسْ تَغَدَّ عِنْدِي فَقَالَ إنْ تَغَدَّيْت فَعَبْدِي حُرٌّ وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ.
وَلَوْ قَالَ إنْ تَغَدَّيْت الْيَوْمَ يُجْعَلُ مُبْتَدِئًا لِأَنَّهُ زَادَ عَلَى مِقْدَارِ الْجَوَابِ.
فَفِي تَطْبِيقِهِ عَلَى السُّؤَالِ إلْغَاءُ الزِّيَادَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: الزِّيَادَةُ لَا تَضُرُّ كَوْنُهُ جَوَابًا لِلسُّؤَالِ؛ أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى {قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} فِي جَوَابِ قَوْله تَعَالَى {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِك يَا مُوسَى} كَيْفَ زَادَ عَلَى مِقْدَارِ الْجَوَابِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ عَصَايَ وَلَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ كَوْنِهِ جَوَابًا.
أُجِيبَ بِأَنَّ كَلِمَةَ {مَا} تُسْتَعْمَلُ لِلسُّؤَالِ عَنْ الذَّاتِ وَالسُّؤَالِ عَنْ الصِّفَاتِ، وَحَيْثُ وَقَعَتْ فِي حَيِّزِ السُّؤَالِ اشْتَبَهَ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عَنْ الذَّاتِ أَوْ الصِّفَةِ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا لِيَكُونَ مُجِيبًا عَلَى كُلِّ حَالٍ.
قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: إلَى هَذَا أَشَارَ فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ أَهْلَ الْبَلَاغَةِ قَالُوا: إنَّ {مَا} يُسْأَلُ بِهَا عَنْ وَصْفِ الْعُقَلَاءِ وَالْعَصَا لَمْ تَكُنْ عَاقِلَةً سَلَّمْنَا، وَلَكِنْ الْأَفْعَالُ الْمُسْنَدَةُ إلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا تَكُونُ أَوْصَافًا؛ وَلَئِنْ كَانَتْ لَا تَكُونُ أَوْصَافًا لِلْعَصَا.
وَأَقُولُ: الزِّيَادَةُ عَلَى حَرْفِ الْجَوَابِ لَا تَصْرِفُهُ عَنْ كَوْنِهِ جَوَابًا لَهُ أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا يُجْعَلُ كَلَامًا مُبْتَدَأً إذَا كَانَ ثَمَّةَ مَصْرِفٌ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ إعْمَالًا لِلزِّيَادَةِ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ ذَلِكَ فَلَمْ يُصْرَفْ عَنْ كَوْنِهِ جَوَابًا يَلُوحُ إلَى هَذَا قَوْلُهُ فَيُجْعَلُ مُبْتَدِئًا. (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ فُلَانٍ فَرَكِبَ دَابَّةَ عَبْدٍ مَأْذُونٍ لَهُ مَدْيُونٍ أَوْ غَيْرِ مَدْيُونٍ لَمْ يَحْنَثْ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لَا يَحْنَثُ وَإِنَّ نَوَى لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لِلْمَوْلَى فِيهِ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَحْنَثُ مَا لَمْ يَنْوِهِ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ لِلْمَوْلَى لَكِنَّهُ يُضَافُ إلَى الْعَبْدِ عُرْفًا، وَكَذَا شَرْعًا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَهُوَ لِلْبَائِعِ» الْحَدِيثَ فَتَخْتَلُّ الْإِضَافَةُ إلَى الْمَوْلَى فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا: يَحْنَثُ إذَا نَوَاهُ لِاخْتِلَالِ الْإِضَافَةِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَحْنَثُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ لِاعْتِبَارِ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ إذْ الدَّيْنُ لَا يَمْنَعُ وُقُوعَهُ لِلسَّيِّدِ عِنْدَهُمَا.
الشَّرْحُ:
(قَوْلُهُ وَمَنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ فُلَانٍ) الدَّابَّةُ فِي اللُّغَةِ كُلُّ مَا يَدِبُّ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ: أَيْ يَتَحَرَّكُ مَشْيًا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} وَيَتَعَلَّقُ الرُّكُوبُ بِهَا بِعَيْنِ مَا يَرْكَبُ مِنْهَا مُرَادًا كَالْبَغْلِ وَالْفَرَسِ وَالْبَعِيرِ وَالْحِمَارِ وَالْبَقَرِ وَالْجَامُوسِ وَالْفِيلِ فِي الْقِيَاسِ.
وَاسْتَحْسَنَ الْعُلَمَاءُ فِي عَقْدِ الْيَمِينِ عَلَى مَا يُرْكَبُ فِي غَالِبِ الْبُلْدَانِ وَهُوَ الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ أَخْذًا مِنْ قَوْله تَعَالَى {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا} ذَكَرَ مِنَّةَ الرُّكُوبِ فِي هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ: فَأَمَّا فِي الْأَنْعَامِ فَقَدْ ذَكَرَ مَنْفَعَةَ الْأَكْلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ} الْآيَةَ، وَبِالْعُرْفِ؛ فَإِنَّهُ إذَا قِيلَ رَكِبَ فُلَانٌ دَابَّةً لَمْ يَفْهَمْ مِنْهُ أَحَدٌ أَنَّهُ رَكِبَ الْبَقَرَ أَوْ الْفِيلَ وَإِنْ كَانَ يَرْكَبُ فِي بِلَادِ الْهِنْدِ، إلَّا إذَا نَوَى جَمِيعَ ذَلِكَ فَيَكُونُ عَلَى مَا نَوَى لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ، وَفِيهِ تَشْدِيدٌ عَلَيْهِ.
وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَمَنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ فُلَانٍ فَرَكِبَ دَابَّةَ عَبْدٍ مَأْذُونٍ لَهُ مَدْيُونٍ أَوْ غَيْرِ مَدْيُونٍ لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَنْوِ، فَأَمَّا إذَا نَوَى وَرَكِبَ دَابَّةَ الْعَبْدِ فَيَحْنَثُ، إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لَا يَحْنَثُ وَإِنْ نَوَى لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لِلْمَوْلَى فِيهِ عِنْدَهُ: أَيْ فِيمَا مَلَكَهُ الْعَبْدُ الْمَدْيُونُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
حَتَّى لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَ عَبْدِهِ لَا يُعْتَقُ وَتَلْمَحُ مِمَّا ذَكَرْنَا الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي قَوْلِهِ إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي أَظْهَرْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَحْنَثُ مَا لَمْ يَنْوِهَا لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ لِلْمَوْلَى لَكِنَّهُ يُضَافُ إلَى الْعَبْدِ عُرْفًا حَيْثُ يُقَالُ دَابَّةُ عَبْدِ فُلَانٍ وَلَمْ يَقُلْ دَابَّةَ فُلَانٍ.
وَشَرْعًا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِمَوْلَاهُ» فَتَخْتَلُّ الْإِضَافَةُ إلَى الْمَوْلَى فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَحْنَثُ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا، وَهِيَ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ غَيْرُ مُسْتَغْرِقٍ أَوْ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ إذَا نَوَى.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ دَيْنَ الْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ لَا يَمْنَعُ وُقُوعَ الْمِلْكِ لِلْمَوْلَى عِنْدَهُ إلَّا أَنَّهُ يُضَافُ إلَى الْعَبْدِ فَتَخْتَلُّ الْإِضَافَةُ إلَى الْمَوْلَى فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ مُطْلَقِ الْإِضَافَةِ إلَّا بِالنِّيَّةِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَحْنَثُ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ لِاعْتِبَارِ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ لِلسَّيِّدِ إذْ الدَّيْنُ لَا يَمْنَعُ وُقُوعَهُ لِلسَّيِّدِ عِنْدَهُمَا.

.(بَابُ الْيَمِينِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ):

قَالَ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ فَهُوَ عَلَى ثَمَرِهَا) لِأَنَّهُ أَضَافَ الْيَمِينَ إلَى مَا لَا يُؤْكَلُ فَيَنْصَرِفُ إلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهُ وَهُوَ الثَّمَرُ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لَهُ فَيَصْلُحُ مَجَازًا عَنْهُ، لَكِنَّ الشَّرْطَ أَنْ لَا يَتَغَيَّرَ بِصُنْعِهِ جَدِيدَةً حَتَّى لَا يَحْنَثَ بِالنَّبِيذِ وَالْخَلِّ وَالدِّبْسِ الْمَطْبُوخِ.
الشَّرْحُ:
بَابُ: الْيَمِينِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ.
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَوَّلَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْإِنْسَانُ الْمَسْكَنُ ثُمَّ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ، وَهَذَا الْبَابُ لِبَيَانِ الْيَمِينِ عَلَيْهِمَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا يَصِلُ إلَى جَوْفِ الْإِنْسَانِ لَا يَخْلُو عَنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: مَأْكُولٍ، وَمَشْرُوبٍ.
وَمَمْصُوصٍ، وَمَلْعُوقٍ؛ فَالْمَأْكُولُ مَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْمَضْغُ وَالْهَشْمُ لَا الْمَمْضُوغُ، حَتَّى لَوْ ابْتَلَعَ مَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْمَضْغُ مِنْ غَيْرِ مَضْغٍ يُسَمَّى آكِلًا.
وَالْمَشْرُوبُ مَا لَا يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِكَ، فَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا فَشَرِبَهُ لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُهُ فَثَرَدَ فِيهِ وَأَكَلَ لَمْ يَحْنَثْ.
وَالْمَمْصُوصُ هُوَ مَا يَحْصُلُ بِعِلَاجِ اللَّهَاةِ؛ فَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ عِنَبًا أَوْ رُمَّانًا فَمَضَغَهُ وَرَمَى ثِقَلَهُ وَابْتَلَعَ مَاءً لَمْ يَحْنَثْ لَا فِي الْأَكْلِ وَلَا فِي الشُّرْبِ.
وَالْمَعْلُوقُ هُوَ مَا يُتَنَاوَلُ بِالْجَسِّ بِالْأُصْبُعِ وَالشِّفَاهِ، فَإِذَا عُرِفَ هَذَا رَجَعْنَا إلَى مَا فِي الْكِتَابِ، فَقَوْلُهُ فَهُوَ عَلَى ثَمَرِهَا: يَعْنِي إذَا كَانَتْ لَهَا ثَمَرَةٌ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فَالْيَمِينُ تَقَعُ عَلَى ثَمَنِهَا لِأَنَّهُ أَضَافَ الْيَمِينَ إلَى مَا لَا يُؤْكَلُ فَيَنْصَرِفُ إلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهُ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ إذَا تَعَذَّرَتْ يُصَارُ إلَى الْمَجَازِ، وَمَا يَخْرُجُ مِنْهُ صَالِحٌ لِكَوْنِهِ مَجَازًا؛ لِأَنَّهُ: أَيْ مَا لَا يُؤْكَلُ سَبَبٌ لَهُ فَيَنْصَرِفُ إلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهُ، وَذِكْرُ السَّبَبِ وَإِرَادَةُ الْمُسَبَّبِ مَجَازٌ شَائِعٌ، وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَتَغَيَّرَ بِصَنْعَةٍ جَدِيدَةٍ لِأَنَّ مَا يُصْنَعُ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَرِ لَيْسَ بِثَمَرٍ فَلَا يَحْنَثُ بِالنَّبِيذِ وَالْخَلِّ وَالدِّبْسِ الْمَطْبُوخِ، وَقَيَّدَ بِالْمَطْبُوخِ وَإِنْ كَانَ الدِّبْسُ لَا يَكُونُ إلَّا مَطْبُوخًا احْتِرَازًا عَمَّا إذَا أَطْلَقَ اسْمَ الدِّبْسِ عَلَى مَا يَسِيلُ مِنْ الرُّطَبِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مِنْ الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهِ. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الْبُسْرِ فَصَارَ رُطَبًا فَأَكَلَهُ لَمْ يَحْنَثْ.
وَكَذَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الرُّطَبِ أَوْ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ فَصَارَ تَمْرًا أَوْ صَارَ اللَّبَنُ شِيرَازًا لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ صِفَةَ الْبُسُورَةِ وَالرُّطُوبَةِ دَاعِيَةٌ إلَى الْيَمِينِ، وَكَذَا كَوْنُهُ لَبَنًا فَيَتَقَيَّدُ بِهِ، وَلِأَنَّ اللَّبَنَ مَأْكُولٌ فَلَا يَنْصَرِفُ الْيَمِينُ إلَى مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ هَذَا الصَّبِيَّ أَوْ هَذَا الشَّابَّ فَكَلَّمَهُ بَعْدَمَا شَاخَ لِأَنَّ هِجْرَانَ الْمُسْلِمِ بِمَنْعِ الْكَلَامِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَلَمْ يُعْتَبَرْ الدَّاعِي دَاعِيًا فِي الشَّرْعِ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الْبُسْرِ) ظَاهِرٌ، وَكَلَامُهُ يُشِيرُ إلَى قَاعِدَةٍ هِيَ أَنَّ الْيَمِينَ إذَا انْعَقَدَتْ عَلَى عَيْنٍ بِوَصْفٍ يَدْعُو ذَلِكَ الْوَصْفُ إلَى الْيَمِينِ فَيَتَقَيَّدُ الْيَمِينُ بِبَقَاءِ ذَلِكَ الْوَصْفِ فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الِاسْمِ؛ وَلِذَلِكَ لَا يَحْنَثُ مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الْبُسْرِ أَوْ الرُّطَبِ أَوْ اللَّبَنِ فَتَغَيَّرَ ذَلِكَ الْوَصْفُ بِصَيْرُورَةِ الْبُسْرِ رُطَبًا وَالرُّطَبِ تَمْرًا وَاللَّبَنِ شِيرَازًا وَهُوَ الَّذِي اُسْتُخْرِجَ مَاؤُهُ فَصَارَ كَالْفَالُوذَجِ الْخَاثِرِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ هَذَا الصَّبِيَّ أَوْ هَذَا الشَّابَّ فَكَلَّمَهُ بَعْدَ مَا شَاخَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْنَثَ لِأَنَّ الصِّبَا مَظِنَّةُ السَّفَهِ وَالشَّبَابُ شُعْبَةٌ مِنْ الْجُنُونِ فَكَانَا وَصْفَيْنِ دَاعِيَيْنِ إلَى الْيَمِينِ وَقَدْ زَالَا عِنْدَ الشَّيْخُوخَةِ فَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ لَا يَحْنَثَ.
أَجَابَ بِقَوْلِهِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ هَذَا الصَّبِيَّ إلَخْ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ الْقَاعِدَةَ الْمَذْكُورَةَ تَقْتَضِي ذَلِكَ لَكِنْ الشَّرْعُ أَسْقَطَ اعْتِبَارَهَا لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ هِجْرَانِ الْمُسْلِمِ بِمَنْعِ الْكَلَامِ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَلَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا» الْحَدِيثَ.
وَالْمَهْجُورُ شَرْعًا كَالْمَهْجُورِ عَادَةً، فَانْعَقَدَتْ الْيَمِينُ عَلَى الذَّاتِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ حَالَةَ الشَّيْخُوخَةِ فَيَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ.
وَاعْتُرِضَ عَلَى دَلِيلِ الْكِتَابِ بِأَنَّا سَلَّمْنَا أَنَّ هِجْرَانَ الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، لَكِنْ الْحَرَامُ يَقَعُ مَحْلُوفًا عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَيَشْرَبَنَّ الْيَوْمَ خَمْرًا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي أَنَّ الْحَقِيقَةَ يَجُوزُ أَنْ تُتْرَكَ بِهِجْرَانِ الشَّرْعِ فِيمَا إذَا كَانَ الْكَلَامُ مُحْتَمِلًا لِلْمَجَازِ حَمْلًا لِأَمْرِ الْمُسْلِمِ عَلَى الصَّلَاحِ، وَأَمَّا أَنَّ الْيَمِينَ تَنْعَقِدُ عَلَى الْحَرَامِ الْمَحْضِ فَلَا كَلَامَ فِيهِ. (وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمَ هَذَا الْحَمَلِ فَأَكَلَ بَعْدَمَا صَارَ كَبْشًا حَنِثَ) لِأَنَّ صِفَةَ الصِّغَرِ فِي هَذَا لَيْسَتْ بِدَاعِيَةٍ إلَى الْيَمِينِ فَإِنَّ الْمُمْتَنِعَ عَنْهُ أَكْثَرُ امْتِنَاعًا عَنْ لَحْمِ الْكَبْشِ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمَ هَذَا الْحَمَلِ) ظَاهِرٌ. قَالَ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بُسْرًا فَأَكَلَ رُطَبًا لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبُسْرٍ.
الشَّرْحُ:
قَالَ: (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بُسْرًا) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بُسْرًا فَأَكَلَ بُسْرًا مُذْنِبًا بِكَسْرِ النُّونِ وَهُوَ مَا بَدَا الْإِرْطَابُ مِنْ قِبَلِ ذَنَبِهِ وَهُوَ مَا سَفَلَ مِنْ جَانِبِ الْقِمْعِ وَالْعَلَّاقَةِ وَتَفْسِيرُهُ هُوَ الَّذِي عَامَّتُهُ بُسْرٌ وَفِيهِ شَيْءٌ مِنْ الرُّطَبِ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ فِي قَوْلِهِمْ.
وَكَذَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا مُذْنِبًا وَهُوَ الَّذِي عَامَّتُهُ رُطَبٌ وَفِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْبُسْرِ حَنِثَ فِي قَوْلِهِمْ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بُسْرًا فَأَكَلَ رُطَبًا فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْبُسْرِ حَنِثَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَحْنَثُ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا فَأَكَلَ بُسْرًا فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الرُّطَبِ حَنِثَ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا عَلَى رِوَايَةِ الْكِتَابِ.
وَذَكَرَ فِي الْإِيضَاحِ وَشُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَوْلَ مُحَمَّدٍ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّهُ يَحْنَثُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ.
وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ: لَهُمَا أَنَّ الرُّطَبَ الْمُذْنِبَ يُسَمَّى رُطَبًا، فَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بُسْرًا وَأَكَلَ الرُّطَبَ الْمُذْنِبَ فَقَدْ أَكَلَ الرُّطَبَ لَا الْبُسْرَ فَلَا يَحْنَثُ، وَكَذَلِكَ بِالْعَكْسِ وَصَارَ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَشْتَرِي رُطَبًا فَاشْتَرَى بُسْرًا مُذْنِبًا لَا يَحْنَثُ. (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا أَوْ بُسْرًا أَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا وَلَا بُسْرًا فَأَكَلَ مُذَنِّبًا حَنِثَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا لَا يَحْنَثُ فِي الرُّطَبِ) يَعْنِي بِالْبُسْرِ الْمُذَنِّبِ وَلَا فِي الْبُسْرِ بِالرُّطَبِ الْمُذَنِّبِ لِأَنَّ الرُّطَبَ الْمُذَنِّبَ يُسَمَّى رُطَبًا وَالْبُسْرَ الْمُذَنِّبَ يُسَمَّى بُسْرًا فَصَارَ كَمَا إذَا كَانَ الْيَمِينُ عَلَى الشِّرَاءِ.
وَلَهُ أَنَّ الرُّطَبَ الْمُذَنِّبَ مَا يَكُونُ فِي ذَنَبِهِ قَلِيلُ بُسْرٍ، وَالْبُسْرَ الْمُذَنِّبَ عَلَى عَكْسِهِ فَيَكُونُ آكِلُهُ آكِلَ الْبُسْرِ وَالرُّطَبِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مَقْصُودٌ فِي الْأَكْلِ بِخِلَافِ الشِّرَاءِ لِأَنَّهُ يُصَادِفُ الْجُمْلَةَ فَيَتْبَعُ الْقَلِيلُ فِيهِ الْكَثِيرَ.
(وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي رُطَبًا فَاشْتَرَى كِبَاسَةَ بُسْرٍ فِيهَا رُطَبٌ لَا يَحْنَثُ) لِأَنَّ الشِّرَاءَ يُصَادِفُ الْجُمْلَةَ وَالْمَغْلُوبَ تَابِعٌ (وَلَوْ كَانَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْأَكْلِ يَحْنَثُ) لِأَنَّ الْأَكْلَ يُصَادِفُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَقْصُودًا وَصَارَ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَشْتَرِي شَعِيرًا أَوْ لَا يَأْكُلُهُ فَاشْتَرَى حِنْطَةً فِيهَا حَبَّاتُ شَعِيرٍ وَأَكَلَهَا يَحْنَثُ فِي الْأَكْلِ دُونَ الشِّرَاءِ لِمَا قُلْنَا.
الشَّرْحُ:
(وَلَهُ أَنَّ الرُّطَبَ الْمُذْنِبَ مَا يَكُونُ فِي ذَنَبِهِ قَلِيلُ بُسْرٍ وَالْبُسْرُ الْمُذْنِبُ عَلَى عَكْسِهِ فَيَكُونُ آكِلُهُ آكِلَ الْبُسْرِ وَالرُّطَبِ) فَيَحْنَثُ فِي الصُّورَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَالِبًا وَالْآخَرُ مَغْلُوبًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ مَيَّزَهُ فَأَكَلَهُ حَنِثَ بِالِاتِّفَاقِ.
فَكَذَا إذَا أَكَلَهُ مَعَ غَيْرِهِ.
وَاسْتُشْكِلَ بِمَا إذَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُ هَذَا اللَّبَنَ فَصَبَّ فِيهِ مَاءً وَالْمَاءُ غَالِبٌ فَشَرِبَهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ شَرِبَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ وَزِيَادَةً، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى الْجَوَابِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ (وَكُلُّ وَاحِدٍ مَقْصُودٌ فِي الْأَكْلِ) يَعْنِي بِخِلَافِ صُورَةِ اللَّبَنِ، فَإِنَّ اللَّبَنَ لَمَّا صُبَّ فِيهِ الْمَاءُ شَاعَ وَمَاعَ فِي جَمِيعِ.
أَجْزَاءِ.
اللَّبَنِ فَصَارَ مُسْتَهْلَكًا.
وَلِهَذَا لَا يُرَى مَكَانُهُ فَلَمْ يَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُودًا بِالشُّرْبِ.
وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ الشِّرَاءِ) جَوَابٌ عَنْ قِيَاسِهِمَا صُورَةَ النِّزَاعِ عَلَى الشِّرَاءِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي رُطَبًا) كَالْبَيَانِ لِلْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ. (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا فَأَكَلَ لَحْمَ السَّمَكِ لَا يَحْنَثُ) وَالْقِيَاسُ أَنْ يَحْنَثَ لِأَنَّهُ يُسَمَّى لَحْمًا فِي الْقُرْآنِ.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ التَّسْمِيَةَ مَجَازِيَّةٌ لِأَنَّ اللَّحْمَ مُنْشَؤُهُ مِنْ الدَّمِ وَلَا دَمَ فِيهِ لِسُكُونِهِ فِي الْمَاءِ (وَإِنْ أَكَلَ لَحْمَ خِنْزِيرٍ أَوْ لَحْمَ إنْسَانٍ يَحْنَثُ) لِأَنَّهُ لَحْمٌ حَقِيقِيٌّ إلَّا أَنَّهُ حَرَامٌ.
وَالْيَمِينُ قَدْ تُعْقَدُ لِلْمَنْعِ مِنْ الْحَرَامِ (وَكَذَا إذَا أَكَلَ كَبِدًا أَوْ كَرِشًا) لِأَنَّهُ لَحْمٌ حَقِيقَةً فَإِنَّ نُمُوَّهُ مِنْ الدَّمِ وَيُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ اللَّحْمِ.
وَقِيلَ فِي عُرْفِنَا لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ لَحْمًا.
الشَّرْحُ:
(وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا فَأَكَلَ لَحْمَ السَّمَكِ لَا يَحْنَثُ) وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ اللَّفْظَ إذَا تَنَاوَلَ أَفْرَادًا وَفِي بَعْضِهَا نَوْعُ قَصْرٍ لَا يَدْخُلُ الْقَاصِرُ تَحْتَهُ، وَلَحْمُ السَّمَكِ فِيهِ قُصُورٌ لِأَنَّ اللَّحْمَ مِنْ الِالْتِحَامِ وَالِالْتِحَامُ بِالِاشْتِدَادِ وَالِاشْتِدَادُ بِالدَّمِ وَالدَّمُ فِي السَّمَكِ ضَعِيفٌ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: لَا دَمَ فِيهِ، جَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَعْدُومِ لِكَوْنِهِ يَسْكُنُ الْمَاءَ فَكَانَ مَعْنَى اللَّحْمِ قَاصِرًا فِيهِ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ اللَّفْظِ الْمُطْلَقِ وَمَوْضُوعُهُ أُصُولُ الْفِقْهِ (وَإِنْ أَكَلَ لَحْمَ خِنْزِيرٍ أَوْ إنْسَانٍ حَنِثَ لِأَنَّهُ لَحْمٌ حَقِيقِيٌّ إلَّا أَنَّهُ حَرَامٌ، وَالْيَمِينُ قَدْ تُعْقَدُ لِلْمَنْعِ مِنْ الْحَرَامِ) وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْكَفَّارَةَ فِيهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ فَلَا يُنَاطُ وُجُوبُهَا بِمَا هُوَ حَرَامٌ مَحْضٌ، وَأَكْلُ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالْإِنْسَانِ حَرَامٌ مَحْضٌ فَكَيْفَ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُهَا بِهِ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذِهِ مُغَالَطَةٌ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ بَعْدَ يَمِينٍ نُقِضَتْ بِالْحِنْثِ وَقَدْ وُجِدَتْ، وَكَوْنُ الْحِنْثِ بِأَمْرٍ مُبَاحٍ أَوْ حَرَامٍ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي ذَلِكَ أَشَارَ إلَى هَذَا قَوْلُهُ وَالْيَمِينُ قَدْ تُعْقَدُ لِلْمَنْعِ مِنْ الْحَرَامِ.
قَوْلُهُ (وَكَذَا إذَا أَكَلَ كَبِدًا) ظَاهِرٌ. (وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ أَوْ لَا يَشْتَرِي شَحْمًا لَمْ يَحْنَثْ إلَّا فِي شَحْمِ الْبَطْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَا: يَحْنَثُ فِي شَحْمِ الظَّهْرِ أَيْضًا) وَهُوَ اللَّحْمُ السَّمِينُ لِوُجُودِ خَاصِّيَّةِ الشَّحْمِ فِيهِ وَهُوَ الذَّوْبُ بِالنَّارِ.
وَلَهُ أَنَّهُ لَحْمٌ حَقِيقَةً؛ أَلَا تَرَاهُ أَنَّهُ يَنْشَأُ مِنْ الدَّمِ وَيُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَهُ وَتَحْصُلُ بِهِ قُوَّتُهُ وَلِهَذَا يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ فِي الْيَمِينِ عَلَى أَكْلِ اللَّحْمِ، وَلَا يَحْنَثُ بِبَيْعِهِ فِي الْيَمِينِ عَلَى بَيْعِ الشَّحْمِ، وَقِيلَ هَذَا بِالْعَرَبِيَّةِ، فَأَمَّا اسْمُ بِيه بِالْفَارِسِيَّةِ لَا يَقَعُ عَلَى شَحْمِ الظَّهْرِ بِحَالٍ. (وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي أَوْ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا أَوْ شَحْمًا فَاشْتَرَى أَلْيَةً أَوْ أَكَلَهَا لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ نَوْعٌ ثَالِثٌ حَتَّى لَا يُسْتَعْمَلَ اسْتِعْمَالَ اللُّحُومِ وَالشُّحُومِ. (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَقْضِمَهَا، وَلَوْ أَكَلَ مِنْ خُبْزِهَا لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَا: إنْ أَكَلَ مِنْ خُبْزِهَا حَنِثَ أَيْضًا) لِأَنَّهُ مَفْهُومٌ مِنْهُ عُرْفًا.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ لَهُ حَقِيقَةً مُسْتَعْمَلَةً فَإِنَّهَا تُقْلَى وَتُغْلَى وَتُؤْكَلُ قَضْمًا وَهِيَ قَاضِيَةٌ عَلَى الْمَجَازِ الْمُتَعَارَفِ عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ عِنْدَهُ.
وَلَوْ قَضَمَهَا حَنِثَ عِنْدَهُمَا هُوَ الصَّحِيحُ لِعُمُومِ الْمَجَازِ، كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي دَارِ فُلَانٍ.
وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ فِي الْخُبْزِ حَنِثَ أَيْضًا.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَقْضِمَهَا) وَالْقَضْمُ: الْأَكْلُ بِأَطْرَافِ الْأَسْنَانِ مِنْ بَابِ لَبِسَ، وَإِنَّمَا وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْحِنْطَةِ الْمُعَيَّنَةِ لِأَنَّهُ إذَا عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى أَكْلِ حِنْطَةٍ لَا بِعَيْنِهَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ كَالْجَوَابِ عِنْدَهُمَا.
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: هَكَذَا ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي أَيْمَانِ الْأَصْلِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَوْجُهٍ: أَحَدِهَا أَنْ لَا يَأْكُلَ حَبًّا كَمَا هِيَ فَأَكَلَ مِنْ خُبْزِهَا أَوْ سَوِيقِهَا لَا يَحْنَثُ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ أَرَادَ حَقِيقَةَ كَلَامِهِ فَيَتَقَيَّدُ الْيَمِينُ بِهَا.
وَالثَّانِي أَنْ يَنْوِيَ أَنْ لَا يَأْكُلَ مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ عَيْنِهَا كَذَلِكَ.
وَالثَّالِثِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ فَأَكَلَ مِنْ خُبْزِهَا لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا.
وَالْوَجْهُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ.
وَمَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ الْحَقِيقَةَ الْمُسْتَعْمَلَةَ عِنْدَهُ أَوْلَى مِنْ الْمَجَازِ الْمُتَعَارَفِ وَعِنْدَهُمَا بِالْعَكْسِ وَمَوْضِعُهُ أُصُولُ الْفِقْهِ. (وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الدَّقِيقِ فَأَكَلَ مِنْ خُبْزِهِ حَنِثَ) لِأَنَّ عَيْنَهُ غَيْرُ مَأْكُولٍ فَانْصَرَفَ إلَى مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ (وَلَوْ اسْتَفَّهُ كَمَا هُوَ لَا يَحْنَثُ) هُوَ الصَّحِيحُ لِتَعَيُّنِ الْمَجَازِ مُرَادًا.
الشَّرْحُ:
(وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الدَّقِيقِ فَأَكَلَ مِنْ خُبْزِهِ حَنِثَ) بِالِاتِّفَاقِ (لِأَنَّ عَيْنَهُ غَيْرُ مَأْكُولٍ) فَكَانَتْ الْحَقِيقَةُ مُتَعَذِّرَةً فَيُصَارُ إلَى الْمَجَازِ وَهُوَ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ (وَلَوْ اسْتَفَّهُ) أَيْ أَكَلَهُ مِنْ غَيْرِ مَضْغٍ (لَا يَحْنَثُ هُوَ الصَّحِيحُ) وَإِنَّمَا قَالَ هُوَ الصَّحِيحُ احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ بَعْضِ مَشَايِخِنَا أَنَّهُ يَحْنَثُ لِأَنَّهُ أَكَلَ الدَّقِيقَ حَقِيقَةً، وَالْعُرْفُ وَإِنْ اُعْتُبِرَ فَالْحَقِيقَةُ لَا تَسْقُطُ بِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ عَيْنَ الدَّقِيقِ مَأْكُولٌ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ مَهْجُورَةٌ، وَلَمَّا انْصَرَفَتْ الْيَمِينُ إلَى مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ لِلْعُرْفِ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْحَقِيقَةِ، كَمَنْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ إنْ نَكَحْتُك فَعَبْدِي حُرٌّ فَزَنَى بِهَا لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ يَمِينَهُ لَمَّا انْصَرَفَ إلَى الْعَقْدِ لَمْ يَتَنَاوَلْ حَقِيقَةَ الْوَطْءِ. (وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ خُبْزًا فَيَمِينُهُ عَلَى مَا يُعْتَادُ أَهْلُ الْمِصْرِ أَكْلَهُ خُبْزًا) وَذَلِكَ خُبْزُ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُعْتَادُ فِي غَالِبِ الْبُلْدَانِ (وَلَوْ أَكَلَ مِنْ خُبْزِ الْقَطَائِفِ لَا يَحْنَثُ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى خُبْزًا مُطْلَقًا إلَّا إذَا نَوَاهُ لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ (وَكَذَا لَوْ أَكَلَ خُبْزَ الْأُرْزِ بِالْعِرَاقِ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَادٍ عِنْدَهُمْ حَتَّى لَوْ كَانَ بِطَبَرِسْتَانَ أَوْ فِي بَلْدَةٍ طَعَامُهُمْ ذَلِكَ يَحْنَثُ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ خُبْزًا) عَلَى مَا ذَكَرَهُ ظَاهِرٌ.
وَطَبَرِسْتَانُ هِيَ آمُلُ وَوِلَايَتُهَا، وَقِيلَ أَصْلُهَا تَبَرِسْتَانُ لِأَنَّ أَهْلَهَا يُحَارِبُونَ بِالتِّبْرِ وَهُوَ الْفَاسُ فَعَرَّبُوهُ إلَى طَبَرِسْتَانَ. (وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الشِّوَاءَ فَهُوَ عَلَى اللَّحْمِ دُونَ الْبَاذِنْجَانِ وَالْجَزَرِ) لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ اللَّحْمُ الْمَشْوِيُّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَا يُشْوَى مِنْ بِيضٍ أَوْ غَيْرِهِ لِمَكَانِ الْحَقِيقَةِ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الشِّوَاءَ) ظَاهِرٌ. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الطَّبِيخَ فَهُوَ عَلَى مَا يُطْبَخُ مِنْ اللَّحْمِ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ اعْتِبَارًا لِلْعُرْفِ، وَهَذَا لِأَنَّ التَّعْمِيمَ مُتَعَذِّرٌ فَيُصْرَفُ إلَى خَاصٍّ هُوَ مُتَعَارَفٌ وَهُوَ اللَّحْمُ الْمَطْبُوخُ بِالْمَاءِ إلَّا إذَا نَوَى غَيْرَ ذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ تَشْدِيدًا، وَإِنْ أَكَلَ مِنْ مَرَقِهِ يَحْنَثْ لِمَا فِيهِ مِنْ أَجْزَاءِ اللَّحْمِ وَلِأَنَّهُ يُسَمَّى طَبِيخًا.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَهَذَا لِأَنَّ التَّعْمِيمَ مُتَعَذِّرٌ) لِأَنَّ الدَّوَاءَ الْمُسْهِلَ مَطْبُوخٌ وَنَحْنُ نَعْلَمُ بِيَقِينٍ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ (فَيُصْرَفُ إلَى خَاصٍّ هُوَ مُتَعَارَفٌ وَهُوَ اللَّحْمُ الْمَطْبُوخُ بِالْمَاءِ) قَالُوا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ بِالْمَاءِ لِأَنَّ الْقَلِيلَةَ الْيَابِسَةَ فَلَا تُسَمَّى مَطْبُوخًا فَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِهَا. (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّءُوسَ فَيَمِينُهُ عَلَى مَا يُكْبَسُ فِي التَّنَانِيرِ وَيُبَاعُ فِي الْمِصْرِ) وَيُقَالُ يُكْنَسُ (وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رَأْسًا فَهُوَ عَلَى رُءُوسِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ عَلَى الْغَنَمِ خَاصَّةً، وَهَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ كَانَ الْعُرْفُ فِي زَمَنِهِ فِيهِمَا وَفِي زَمَنِهِمَا فِي الْغَنَمِ خَاصَّةً وَفِي زَمَانِنَا يُفْتَى عَلَى حَسَبِ الْعَادَةِ كَمَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْمُخْتَصَرِ.
الشَّرْحُ:
(وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّءُوسَ فَيَمِينُهُ عَلَى مَا يُكْبَسُ فِي التَّنَانِيرِ) أَيْ يُطَمُّ بِهِ التَّنُّورُ: يَعْنِي يَدْخُلُ فِيهِ مِنْ كَبَسَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ فِي جَيْبِ قَمِيصِهِ إذَا أَدْخَلَهُ فِيهِ (وَيُبَاعُ فِي الْمِصْرِ) لِأَنَّ رَأْسَ الْجَرَادِ رَأْسٌ حَقِيقَةً وَلَيْسَ بِمُرَادٍ فَيُصْرَفُ إلَى الْمَجَازِ الْمُتَعَارَفِ، وَفَسَّرَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ.
وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا بِأَنَّ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَالْإِنْسَانِ لَا يُبَاعُ فِي الْأَسْوَاقِ وَمَعَ ذَلِكَ يَحْنَثُ بِالْأَكْلِ إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا، وَأُجِيبَ بِمَا حَاصِلُهُ الْفَرْقُ بِأَنَّ الرَّأْسَ غَيْرُ مَأْكُولٍ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ لِأَنَّ مِنْهَا الْعَظْمَ فَكَانَتْ الْحَقِيقَةُ مُتَعَذِّرَةً فَيُصَارُ إلَى الْمَجَازِ الْمُتَعَارَفِ وَهُوَ مَا يُكْبَسُ فِي التَّنَانِيرِ وَيُبَاعُ فِي الْأَسْوَاقِ، وَأَمَّا اللَّحْمُ فَيُؤْكَلُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ فَكَانَتْ الْحَقِيقَةُ مُمْكِنَةً فَلَا تُتْرَكُ فَيَحْنَثُ بِأَكْلِ لَحْمِ الْإِنْسَانِ وَالْخِنْزِيرِ.
فَإِنْ قُلْت: الْحَقِيقَةُ إنْ لَمْ تَكُنْ مُتَعَذِّرَةً فَهِيَ مَهْجُورَةٌ شَرْعًا، وَالْمَهْجُورُ شَرْعًا كَالْمَهْجُورِ عَادَةً، وَفِي الْمَهْجُورِ شَرْعًا يُصَارُ إلَى الْمَجَازِ كَمَا فِي الْمَهْجُورِ عَادَةً.
قُلْت: الْمَهْجُورُ شَرْعًا هُوَ الَّذِي لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ أَفْرَادِهِ مَعْمُولًا بِهِ كَالْحَلِفِ عَلَى تَرْكِ كَلَامِ الصَّبِيِّ وَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: سَلَّمْنَا ذَلِكَ لَكِنْ لَا يَطَّرِدُ فِي الشِّرَاءِ فَإِنَّ الرَّأْسَ يُشْتَرَى بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ فَلَمْ تَكُنْ الْحَقِيقَةُ مُتَعَذِّرَةً.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ مِنْ الرُّءُوسِ مَا لَا يَجُوزُ إضَافَةُ الشِّرَاءِ إلَيْهِ كَرَأْسِ النَّمْلِ وَالذُّبَابِ وَالْآدَمِيِّ فَكَانَتْ مُتَعَذِّرَةً. (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ فَاكِهَةً فَأَكَلَ عِنَبًا أَوْ رُمَّانًا أَوْ رُطَبًا أَوْ قِثَّاءً أَوْ خِيَارًا لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ أَكَلَ تُفَّاحًا أَوْ بِطِّيخًا أَوْ مِشْمِشًا حَنِثَ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: حَنِثَ فِي الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ وَالرُّمَّانِ أَيْضًا) وَالْأَصْلُ أَنَّ الْفَاكِهَةَ اسْمٌ لِمَا يُتَفَكَّهُ بِهِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ: أَيْ يُتَنَعَّمُ بِهِ زِيَادَةً عَلَى الْمُعْتَادِ، وَالرُّطَبُ وَالْيَابِسُ فِيهِ سَوَاءً بَعْدَ أَنْ يَكُونَ التَّفَكُّهُ بِهِ مُعْتَادًا حَتَّى لَا يَحْنَثَ بِيَابِسِ الْبِطِّيخِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي التُّفَّاحِ وَأَخَوَاتِهِ فَيَحْنَثُ بِهَا وَغَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْبُقُولِ بَيْعًا وَأَكْلًا فَلَا يَحْنَثُ بِهِمَا.
وَأَمَّا الْعِنَبُ وَالرُّطَبُ وَالرُّمَّانُ فَهُمَا يَقُولَانِ إنَّ مَعْنَى التَّفَكُّهِ مَوْجُودٌ فِيهَا فَإِنَّهَا أَعَزُّ الْفَوَاكِهِ وَالتَّنَعُّمُ بِهَا يَفُوقُ التَّنَعُّمَ بِغَيْرِهَا، وَأَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِمَّا يُتَغَذَّى بِهَا وَيُتَدَاوَى بِهَا فَأَوْجَبَ قُصُورًا فِي مَعْنَى التَّفَكُّهِ لِلِاسْتِعْمَالِ فِي حَاجَةِ الْبَقَاءِ وَلِهَذَا كَانَ الْيَابِسُ مِنْهَا مِنْ التَّوَابِلِ أَوْ مِنْ الْأَقْوَاتِ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ فَاكِهَةً فَأَكَلَ عِنَبًا أَوْ رُمَّانًا أَوْ رُطَبًا أَوْ قِثَّاءً أَوْ خِيَارًا لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ أَكَلَ تُفَّاحًا أَوْ بِطِّيخًا أَوْ مِشْمِشًا حَنِثَ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَحْنَثُ فِي الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ وَالرُّمَّانِ أَيْضًا) يَعْنِي لَا فِي الْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ وَكَانَتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: فِي وَجْهٍ يَحْنَثُ بِالِاتِّفَاقِ، وَهُوَ أَنْ يَقَعَ يَمِينُهُ عَلَى ثَمَرِ كُلِّ شَجَرٍ سِوَى الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ وَالرُّمَّانِ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الرَّطْبُ وَالْيَابِسُ.
وَفِي وَجْهٍ لَا يَحْنَثُ بِالِاتِّفَاقِ، وَهُوَ أَنْ يَأْكُلَ الْخِيَارَ وَالْقِثَّاءَ لِأَنَّهُ يُؤْكَلُ مَعَ الْبُقُولِ.
وَفِي وَجْهٍ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُوَ الْعِنَبُ وَالرُّطَبُ وَالرُّمَّانُ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ إلَّا مَا نَذْكُرُهُ، فَقَوْلُهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْمُعْتَادِ: أَيْ عَلَى الْغَدَاءِ الْأَصْلِيِّ حَتَّى تُسَمَّى النَّارُ فَاكِهَةً وَالْمِزَاحُ فَاكِهَةً لِوُجُودِ زِيَادَةِ التَّنَعُّمِ فِيهَا.
وَقَوْلُهُ (وَالرَّطْبُ وَالْيَابِسُ فِيهِ سَوَاءٌ) يَعْنِي أَنَّ مَا كَانَ فَاكِهَةً لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ رَطْبِهِ وَيَابِسِهِ، وَيَابِسُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا يُعَدُّ فَاكِهَةً فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ رَطْبُهَا كَذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُمَا مِنْ الْبُقُولِ بَيْعًا) فَإِنَّ بَائِعَ الْبُقُولِ هُوَ الَّذِي يَبِيعُهَا لَا غَيْرُ، وَأَمَّا أَكْلًا فَإِنَّهُمَا يُوضَعَانِ عَلَى الْمَوَائِدِ حَيْثُ يُوضَعُ النَّعْنَاعُ وَالْبَصَلُ.
وَقَوْلُهُ (إنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِمَّا يُتَغَذَّى بِهَا) يَعْنِي الْعِنَبَ وَالرُّطَبَ (وَيُتَدَاوَى بِهَا) يَعْنِي الرُّمَّانَ (وَلِهَذَا كَانَ الْيَابِسُ مِنْهَا مِنْ التَّوَابِلِ) كَيَابِسِ الرُّمَّانِ (أَوْ مِنْ الْأَقْوَاتِ) كَيَابِسِ الْعِنَبِ، فَالتَّوَابِلُ جَمْعُ التَّابَلِ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ اللَّفْظَ إذَا أُطْلِقَ عَلَى أَفْرَادٍ فِي بَعْضِهَا دَلَالَةٌ عَلَى زِيَادَةِ مَعْنًى لَيْسَ فِي مَفْهُومِ اشْتِقَاقِهِ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي صُورَةِ النُّقْصَانِ فِي اللَّحْمِ. (وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْتَدِمُ فَكُلُّ شَيْءٍ اُصْطُبِغَ بِهِ فَهُوَ إدَامٌ وَالشِّوَاءُ لَيْسَ بِإِدَامٍ وَالْمِلْحُ إدَامٌ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: كُلُّ مَا يُؤْكَلُ مَعَ الْخُبْزِ غَالِبًا فَهُوَ إدَامٌ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ الْإِدَامَ مِنْ الْمُوَادَمَةِ وَهِيَ الْمُوَافَقَةُ وَكُلُّ مَا يُؤْكَلُ مَعَ الْخُبْزِ مُوَافِقٌ لَهُ كَاللَّحْمِ وَالْبِيضِ وَنَحْوِهِ.
وَلَهُمَا أَنَّ الْإِدَامَ مَا يُؤْكَلُ تَبَعًا، وَالتَّبَعِيَّةُ فِي الِاخْتِلَاطِ حَقِيقَةٌ لِيَكُونَ قَائِمًا بِهِ، وَفِي أَلَّا يُؤْكَلَ عَلَى الِانْفِرَادِ حُكْمًا، وَتَمَامُ الْمُوَافَقَةِ فِي الِامْتِزَاجِ أَيْضًا، وَالْخَلُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَائِعَاتِ لَا يُؤْكَلُ وَحْدَهُ بَلْ يُشْرَبُ، وَالْمِلْحُ لَا يُؤْكَلُ بِانْفِرَادِهِ عَادَةً وَلِأَنَّهُ يَذُوبُ فَيَكُونُ تَبَعًا، بِخِلَافِ اللَّحْمِ وَمَا يُضَاهِيهِ لِأَنَّهُ يُؤْكَلُ وَحْدَهُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشْدِيدِ، وَالْعِنَبُ وَالْبِطِّيخُ لَيْسَا بِإِدَامٍ هُوَ الصَّحِيحُ.
الشَّرْحُ:
قَالَ (وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْتَدِمُ فَكُلُّ شَيْءٍ اُصْطُبِغَ بِهِ) اصْطَبَغَ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ كَذَا كَانَ مُقَيَّدًا بِخَطِّ الثِّقَاتِ وَهُوَ اُفْتُعِلَ مِنْ الصَّبْغِ، وَيُقَالُ اُصْطُبِخَ بِالْخَلِّ وَفِي الْخَلِّ وَلَا يُقَالُ اصْطَبَغَ الْخُبْزُ بِالْخَلِّ (وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْتَدِمُ) أَيْ لَا يَأْكُلُ إدَامًا (فَكُلُّ شَيْءٍ اُصْطُبِغَ بِهِ فَهُوَ إدَامٌ) وَلَا يَنْعَكِسُ فَالْخَلُّ وَالزَّيْتُ وَاللَّبَنُ وَالْمِلْحُ وَالزُّبْدُ إدَامٌ، وَالشِّوَاءُ لَيْسَ بِإِدَامٍ (وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ) فِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: مَا يُؤْكَلُ مَعَ الْخُبْزِ غَالِبًا فَهُوَ إدَامٌ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ) وَحَاصِلُ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: مَا يُصْطَبَغُ بِهِ فَهُوَ إدَامٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَالْبِطِّيخُ وَالْعِنَبُ وَالتَّمْرُ وَأَمْثَالُهَا مِمَّا يُؤْكَلُ وَحْدَهُ غَالِبًا لَيْسَ بِإِدَامٍ بِالِاتِّفَاقِ.
وَفِي الْبَيْضِ وَاللَّحْمِ وَالْجُبْنِ اخْتِلَافٌ، جَعَلَهَا مُحَمَّدٌ إدَامًا خِلَافًا لَهُمَا.
لِمُحَمَّدٍ أَنَّ الْإِدَامَ مِنْ الْمُؤَادَمَةِ وَهِيَ الْمُوَافَقَةُ وَكُلُّ مَا يُؤْكَلُ مَعَ الْخُبْزِ مُوَافِقٌ لَهُ كَاللَّحْمِ وَالْبَيْضِ وَنَحْوِهِ.
وَلَهُمَا أَنَّ الْإِدَامَ مَا يُؤْكَلُ تَبَعًا فِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ.
وَالتَّبَعِيَّةُ عَلَى نَوْعَيْنِ: حَقِيقِيَّةٍ وَذَلِكَ فِي الِاخْتِلَاطِ لِتَكُونَ قَائِمَةً بِهِ.
وَحُكْمِيَّةٍ وَهِيَ أَنْ لَا تُؤْكَلَ عَلَى الِانْفِرَادِ، وَاللَّحْمُ لَا يَخْتَلِطُ فَلَا يَكُونُ تَبَعًا حَقِيقَةً وَيُؤْكَلُ مُنْفَرِدًا فَلَا يَكُونُ تَبَعًا حُكْمًا فَلَا يَكُونُ إدَامًا.
وَقَوْلُهُ (وَتَمَامُ الْمُوَافَقَةِ بِالِامْتِزَاجِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ لِأَنَّ الْإِدَامَ مِنْ الْمُؤَادَمَةِ: يَعْنِي سَلَّمْنَاهُ وَلَكِنْ الْمُؤَادَمَةُ التَّامَّةُ الْكَامِلَةُ فِي الِامْتِزَاجِ أَيْضًا وَلَمْ تُوجَدْ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشْدِيدِ، بِخِلَافِ الْخَلِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَائِعَاتِ فَإِنَّهَا لَا تُؤْكَلُ وَحْدَهَا بَلْ تُشْرَبُ وَالْمِلْحُ لَا يُؤْكَلُ وَحْدَهُ وَيَذُوبُ فَيَتْبَعُ فَكَانَ إدَامًا (وَالْعِنَبُ وَالْبِطِّيخُ لَيْسَا بِإِدَامٍ) يَعْنِي بِالِاتِّفَاقِ لِمَا ذَكَرْنَا (هُوَ الصَّحِيحُ) كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ.
وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: إنَّهُ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ. (وَإِذَا حَلَفَ لَا يَتَغَدَّى فَالْغَدَاءُ الْأَكْلُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى الظُّهْرِ وَالْعَشَاءُ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ) لِأَنَّ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ يُسَمَّى عِشَاءً وَلِهَذَا تُسَمَّى الظُّهْرُ إحْدَى صَلَاتَيْ الْعِشَاءِ فِي الْحَدِيثِ (وَالسُّحُورُ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ) لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ السَّحَرِ وَيُطْلَقُ عَلَى مَا يَقْرُبُ مِنْهُ.
ثُمَّ الْغَدَاءُ وَالْعَشَاءُ مَا يُقْصَدُ بِهِ الشِّبَعُ عَادَةً وَتُعْتَبَرُ عَادَةُ أَهْلِ كُلِّ بَلْدَةٍ فِي حَقِّهِمْ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الشِّبَعِ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا حَلَفَ لَا يَتَغَدَّى فَالْغَدَاءُ الْأَكْلُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى الظُّهْرِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: هَذَا تَوَسُّعٌ فِي الْعِبَارَةِ، وَمَعْنَاهُ أَكْلُ الْغَدَاءِ وَالْعِشَاءِ وَالسُّحُورِ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَدَاءَ اسْمٌ لِطَعَامِ الْغَدَاةِ لَا اسْمُ أَكْلٍ.
وَقَوْلُهُ (وَلِهَذَا تُسَمَّى الظُّهْرُ إحْدَى صَلَاتَيْ الْعِشَاءِ فِي الْحَدِيثِ) ذَكَرَ فِي الْإِيضَاحِ فِي بَابِ الْحَلِفِ عَلَى الْغَدَاءِ فَقَالَ فَإِنَّهُ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إحْدَى صَلَاتَيْ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ» يُرِيدُ بِهِ الرَّاوِي الظُّهْرَ أَوْ الْعَصْرَ.
وَقَوْلُهُ (وَتُعْتَبَرُ عَادَةُ أَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ فِي حَقِّهِمْ) يَعْنِي إنْ كَانَتْ خُبْزًا فَخُبْزٌ، وَإِنْ كَانَتْ لَحْمًا فَلَحْمٌ، حَتَّى أَنَّ الْحَضَرِيَّ إذَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِ الْغَدَاءِ فَشَرِبَ اللَّبَنَ لَمْ يَحْنَثْ، وَالْبَدَوِيُّ بِخِلَافِهِ، لِأَنَّهُ غِذَاءٌ فِي الْبَادِيَةِ.
وَقَوْلُهُ (وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الشِّبَعِ) رَوَاهُ الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ صَحِيحٌ لِأَنَّ مَنْ أَكَلَ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ مَا تَغَدَّيْت وَمَا تَعَشَّيْت. (وَمَنْ قَالَ إنْ لَبِسْت أَوْ أَكَلْت أَوْ شَرِبْت فَعَبْدِي حُرٌّ، وَقَالَ عَنَيْت شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ لَمْ يُدَنْ فِي الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ) لِأَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا تَصِحُّ فِي الْمَلْفُوظِ وَالثَّوْبُ وَمَا يُضَاهِيهِ غَيْرُ مَذْكُورٍ تَنْصِيصًا وَالْمُقْتَضَى لَا عُمُومَ لَهُ فَلَغَتْ نِيَّةَ التَّخْصِيصِ فِيهِ (وَإِنْ قَالَ إنْ لَبِسْت ثَوْبًا أَوْ أَكَلْت طَعَامًا أَوْ شَرِبْت شَرَابًا لَمْ يُدَنْ فِي الْقَضَاءِ خَاصَّةً) لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي مَحَلِّ الشَّرْطِ فَتَعُمُّ فَعُمِلَتْ نِيَّةُ التَّخْصِيصِ فِيهِ إلَّا أَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَلَا يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ.
الشَّرْحُ:
(وَمَنْ قَالَ إنْ أَكَلْت أَوْ شَرِبْت أَوْ لَبِسْت فَعَبْدِي حُرٌّ وَقَالَ عَنَيْت شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ لَمْ يَصْدُقْ قَضَاءً) وَلَا دِيَانَةً (لِأَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا تَصِحُّ فِي الْمَلْفُوظِ) لِأَنَّهَا لِتَعْيِينِ بَعْضِ مُحْتَمَلَاتِ اللَّفْظِ (وَالثَّوْبُ وَمَا يُضَاهِيهِ غَيْرُ مَلْفُوظٍ) فَلَا تَصِحُّ نِيَّتُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: هَبْ أَنَّهُ غَيْرُ مَلْفُوظٍ تَنْصِيصًا أَلَيْسَ أَنَّهُ ثَابِتٌ مُقْتَضًى وَالْمُقْتَضَى كَالْمَلْفُوظِ؟ أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَالْمُقْتَضَى لَا عُمُومَ لَهُ فَلَغَتْ نِيَّةُ التَّخْصِيصِ فِيهِ) فَإِنْ قِيلَ: الْمُقْتَضَى أَمْرٌ شَرْعِيٌّ وَافْتِقَارُ الْأَكْلِ إلَى الطَّعَامِ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَعْرِفُهُ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ الشَّرْعَ.
قُلْنَا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ اخْتَارَ مَا اخْتَارَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَنَّ الْمُقْتَضَى هُوَ الَّذِي لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وَلَا يَكُونُ مَنْطُوقًا بِهِ، لَكِنْ يَكُونُ مِنْ ضَرُورَةِ اللَّفْظِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ شَرْعِيًّا أَوْ عَقْلِيًّا.
فَإِنْ قِيلَ: سَلَّمْنَا ذَلِكَ لَكِنْ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا قَالَ إنْ خَرَجْت فَعَبْدِي حُرٌّ وَنَوَى السَّفَرَ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ دِيَانَةً مَعَ أَنَّ السَّفَرَ أَوْ الْخُرُوجَ غَيْرُ مَذْكُورٍ لَفْظًا وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا إذَا حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا وَنَوَى بِهِ أَنْ لَا يُسَاكِنَهُ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ النِّيَّةَ صَحِيحَةٌ مَعَ أَنَّ الْمَسْكَنَ غَيْرُ مَذْكُورٍ لَفْظًا، حَتَّى لَوْ سَكَنَ مَعَهُ فِي الدَّارِ لَا يَحْنَثُ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْأُولَى مَمْنُوعَةٌ مَنَعَهَا الْقُضَاةُ الْأَرْبَعُ أَبُو هُشَيْمٍ وَأَبُو خَازِمٍ وَأَبُو طَاهِرٍ الدَّبَّاسُ وَالْقَاضِي الْقُمِّيُّ.
وَلَئِنْ سَلِمَ فَقَوْلُهُ إنْ خَرَجْت وَلَا يُسَاكِنُ فِعْلَانِ يَدُلَّانِ عَلَى الْمَصْدَرِ لُغَةً، وَقَدْ وَقَعَ الثَّانِي فِي صَرِيحِ النَّفْيِ وَالْأَوَّلُ فِي مَعْنَاهُ فَتَنَاوَلَا بِعُمُومِهِمَا الْخُرُوجَ فِي السَّفَرِ وَالسَّكَنَ فَجَازَ تَخْصِيصُهُمَا إلَّا أَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَلَا يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ. (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ دِجْلَةَ فَشَرِبَ مِنْهَا بِإِنَاءٍ لَمْ يَحْنَثْ) حَتَّى يَكْرَعَ مِنْهَا كَرْعًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: إذَا شَرِبَ مِنْهَا بِإِنَاءٍ يَحْنَثُ لِأَنَّهُ مُتَعَارَفُ الْمَفْهُومِ.
وَلَهُ أَنَّ كَلِمَةَ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ وَحَقِيقَتُهُ فِي الْكَرْعِ وَهِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ، وَلِهَذَا يَحْنَثُ بِالْكَرْعِ إجْمَاعًا فَمُنِعَتْ الْمَصِيرَ إلَى الْمَجَازِ وَإِنْ كَانَ مُتَعَارَفًا.
الشَّرْحُ:
وَمَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ دِجْلَةَ فَشَرِبَ مِنْهَا بِإِنَاءٍ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَكْرَعَ مِنْهَا كَرْعًا أَيْ حَتَّى يَضَعَ فَاهُ عَلَى دِجْلَةَ بِعَيْنِهَا وَيَشْرَبَ يُقَالُ كَرَعَ فِي الْمَاءِ إذَا مَدَّ عُنُقَهُ نَحْوَهُ لِيَشْرَبَ مِنْهُ وَمِنْهُ كَرِهَ عِكْرِمَةُ الْكَرْعَ فِي النَّهْرِ لِأَنَّهُ فِعْلُ الْبَهِيمَةِ تُدْخِلُ فِيهِ أَكَارِعَهَا، وَالْكُرَاعُ مُسْتَدَقُّ السَّاقِ، وَهَذَا (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَالَا: إذَا شَرِبَ مِنْهَا بِإِنَاءٍ حَنِثَ) وَمَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ الْحَقِيقَةَ الْمُسْتَعْمَلَةَ أَوْلَى مِنْ الْمَجَازِ الْمُتَعَارَفِ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا بِالْعَكْسِ، أَمَّا كَوْنُ الْمَجَازِ مُتَعَارَفًا فَظَاهِرٌ، فَإِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِهِمْ أَهْلُ فُلَانٍ يَشْرَبُونَ مِنْ دِجْلَةَ أَنَّهُمْ يَشْرَبُونَ مِنْ مَائِهَا، وَأَمَّا أَنَّ الْحَقِيقَةَ مُسْتَعْمَلَةٌ فَلِأَنَّ النَّاسَ يَكْرَعُونَ مِنْ الْأَنْهَارِ وَالْأَوْدِيَةِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْمٍ نَزَلَ عِنْدَهُمْ «هَلْ عِنْدَكُمْ مَاءٌ بَاتَ فِي شَنٍّ، وَإِلَّا كَرَعْنَا» وَلِهَذَا إذَا كَرَعَ حَنِثَ بِالْإِجْمَاعِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحِنْثَ فِي الْكَرْعِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِ الْحَقِيقَةِ مُسْتَعْمَلَةً بَلْ بِاعْتِبَارِ الْعَمَلِ بِعُمُومِ الْمَجَازِ كَمَا فِي قَوْلِهِ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي دَارِ فُلَانٍ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ أَنْ يَحْنَثَ بِالشُّرْبِ بِالْإِنَاءِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي عُمُومِ الْمَجَازِ كَذَلِكَ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَصِيرَ إلَى عُمُومِ الْمَجَازِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ أَوْ هِجْرَانِهَا، وَقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِهَا مُسْتَعْمَلَةً فَلَا مَصِيرَ إلَيْهِ. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ مَاءِ دِجْلَةَ فَشَرِبَ مِنْهَا بِإِنَاءٍ حَنِثَ) لِأَنَّهُ بَعْدَ الِاعْتِرَافِ بَقِيَ مَنْسُوبًا إلَيْهِ وَهُوَ الشَّرْطُ فَصَارَ كَمَا إذَا شَرِبَ مِنْ مَاءِ نَهْرٍ يَأْخُذُ مِنْ دِجْلَةَ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ مَاءِ دِجْلَةَ) ظَاهِرٌ. (مَنْ قَالَ إنْ لَمْ أَشْرَبْ الْمَاءَ الَّذِي فِي هَذَا الْكُوزِ الْيَوْمَ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ وَلَيْسَ فِي الْكُوزِ مَاءٌ لَمْ يَحْنَثْ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَاءٌ فَأُهْرِيقَ قَبْلَ اللَّيْلِ لَمْ يَحْنَثْ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَحْنَثُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ) يَعْنِي إذَا مَضَى الْيَوْمُ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا كَانَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى.
وَأَصْلُهُ أَنَّ مِنْ شَرْطِ انْعِقَادِ الْيَمِينِ وَبَقَائِهِ تُصَوَّرُ الْبِرِّ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تُعْقَدُ لِلْبِرِّ فَلَا بُدَّ مِنْ تَصَوُّرِ الْبِرِّ لِيُمْكِنَ إيجَابُهُ.
وَلَهُ أَنَّهُ أَمْكَنَ الْقَوْلُ بِانْعِقَادِهِ مُوجِبًا لِلْبِرِّ عَلَى وَجْهٍ يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْخُلْفِ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ.
قُلْنَا: لابد مِنْ تَصَوُّرِ الْأَصْلِ لِيَنْعَقِدَ فِي حَقِّ الْخُلْفِ وَلِهَذَا لَا يَنْعَقِدُ الْغَمُوسُ مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ (وَلَوْ كَانَتْ الْيَمِينُ مُطْلَقَةً؛ فَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لَا يَحْنَثُ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَحْنَثُ فِي الْحَالِ، وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي يَحْنَثُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) فَأَبُو يُوسُفَ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُوَقَّتِ.
وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ التَّوْقِيتَ لِلتَّوْسِعَةِ فَلَا يَجِبُ الْفِعْلُ إلَّا فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَلَا يَحْنَثُ قَبْلَهُ، وَفِي الْمُطْلَقِ يَجِبُ الْبِرُّ كَمَا فُرِغَ وَقَدْ عَجَزَ فَيَحْنَثُ فِي الْحَالِ وَهُمَا فَرَّقَا بَيْنَهُمَا.
وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ فِي الْمُطْلَقِ يَجِبُ الْبِرُّ كَمَا فُرِغَ، فَإِذَا فَاتَ الْبِرُّ بِفَوَاتِ مَا عُقِدَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ كَمَا إذَا مَاتَ الْحَالِفُ وَالْمَاءُ بَاقٍ؛ أَمَّا فِي الْمُؤَقَّتِ فَيَجِبُ الْبِرُّ فِي الْجُزْءِ الْأَخِيرِ مِنْ الْوَقْتِ وَعِنْدَ ذَلِكَ لَمْ تَبْقَ مَحَلِّيَّةُ الْبِرِّ لِعَدَمِ التَّصَوُّرِ فَلَا يَجِبُ الْبِرُّ فِيهِ فَتَبْطُلُ الْيَمِينُ كَمَا إذَا عَقَدَهُ ابْتِدَاءً فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
الشَّرْحُ:
قَالَ (وَمَنْ قَالَ إنْ لَمْ أَشْرَبْ الْمَاءَ الَّذِي فِي هَذَا الْكُوزِ الْيَوْمَ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ وَلَيْسَ فِي الْكُوزِ مَاءٌ لَمْ يَحْنَثْ) عَلِمَ عَدَمَ الْمَاءِ فِي الْكُوزِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ (فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَاءٌ فَأُهْرِيقَ قَبْلَ اللَّيْلِ لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَحْنَثُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ) أَيْ فِيمَا إذَا كَانَ فِيهِ الْمَاءُ وَفِيمَا لَمْ يَكُنْ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ الْوَجْهِ لِلْجَانِبَيْنِ فَوَاضِحٌ.
وَاعْتُرِضَ عَلَى وَجْهِهِمَا بِأَنَّ الْبَرَّ مُتَصَوَّرٌ فِي صُورَةِ الْإِرَاقَةِ، لِأَنَّ إعَادَةَ الْقَطَرَاتِ الْمِهْرَاقَةِ مُمْكِنَةٌ فَكَانَ مُتَصَوَّرًا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْبَرَّ إنَّمَا يَجِبُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْيَوْمِ بِحَيْثُ لَا يَسَعُ فِيهِ غَيْرَهُ فَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ فِيهِ بِإِعَادَةِ الْمَاءِ فِي الْكُوزِ وَشُرْبِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ.
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ كَانَتْ الْيَمِينُ مُطْلَقَةً) أَيْ عَنْ ذِكْرِ الْيَوْمِ (فَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ) يَعْنِي فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْكُوزِ مَاءٌ (لَا يَحْنَثُ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَهُ يَحْنَثُ فِي الْحَالِ.
وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي) وَهُوَ أَنْ يَكُونُ فِيهِ مَاءٌ فَأُهْرِيقَ (يَحْنَثُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.
فَأَبُو يُوسُفَ فَرَّقَ) فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ فِي الْكُوزِ مَاءٌ بَيْنَ الْمُطْلَقِ عَنْ ذِكْرِ الْيَوْمِ وَبَيْنَ الْمُؤَقَّتِ بِهِ، فَقَالَ فِي الْمُطْلَقِ إنَّهُ يَحْنَثُ فِي الْحَالِ، وَفِي الْمُؤَقَّتِ حِنْثُهُ إلَى آخِرِ الْيَوْمِ إلَى غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ.
وَوَجْهُهُ مَا ذُكِرَ أَنَّ التَّوْقِيتَ لِلتَّوْسِعَةِ فَلَا يَجِبُ الْفِعْلُ إلَّا فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَلَا يَحْنَثُ قَبْلَهُ، وَهَذَا لِأَنَّ الْيَمِينَ مَتَى عُقِدَتْ عَلَى فِعْلٍ لَا يَمْتَدُّ مُؤَقَّتَةً بِوَقْتٍ مُمْتَدٍّ يَتَعَيَّنُ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ لِلِانْعِقَادِ لِأَنَّ الْوَقْتَ ظَرْفٌ لَهُ فَيَلْزَمُ فِي جُزْءٍ مِنْهُ وَيَتَعَيَّنُ آخِرُهُ، وَفِي الْمُطْلَقِ يَجِبُ الْبَرُّ كَمَا فَرَغَ وَقَدْ عَجَزَ فَيَحْنَثُ فِي الْحَالِ، كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ.
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: فَأَبُو يُوسُفَ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُؤَقَّتِ: أَيْ فِي مَسْأَلَةِ الْوَجْهِ الثَّانِي وَهُوَ مَا إذَا كَانَ فِي الْكُوزِ مَاءٌ فَأُهْرِيقَ قَبْلَ اللَّيْلِ فَقَالَ فِي الْمُطْلَقِ يَحْنَثُ حَالَ وَقْتِ الْإِرَاقَةِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ إلَى اللَّيْلِ، وَفِي الْمُؤَقَّتِ لَا يَحْنَثُ فِي الْحَالِ بَلْ يَتَوَقَّفُ حِنْثُهُ إلَى آخِرِ الْيَوْمِ، وَهُمَا فَرَّقَا بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُؤَقَّتِ: يَعْنِي فِي هَذَا الْوَجْهِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ.
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ كَمَا إذَا مَاتَ الْحَالِفُ وَالْمَاءُ بَاقٍ إلَى أَنَّ بَقَاءَ الْمَحَلِّ شَرْطٌ لِلْبَرِّ كَبَقَاءِ الْحَالِفِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ كَمَا إذَا عَقَدَهُ ابْتِدَاءً فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إلَّا أَنَّ وُجُودَ الْمَحَلِّ كَمَا هُوَ شَرْطٌ لِانْعِقَادِ الْيَمِينِ كَذَلِكَ لِبَقَائِهَا. قَالَ (وَمَنْ حَلَفَ لَيَصْعَدَن السَّمَاءَ أَوْ لَيَقْلِبَن هَذَا الْحَجَرَ ذَهَبًا انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ وَحَنِثَ عَقِيبَهَا) وَقَالَ زُفَرُ: لَا تَنْعَقِدُ لِأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ عَادَةً فَأَشْبَهَ الْمُسْتَحِيلَ حَقِيقَةً فَلَا يَنْعَقِدُ.
وَلَنَا أَنَّ الْبِرَّ مُتَصَوَّرٌ حَقِيقَةً لِأَنَّ الصُّعُودَ إلَى السَّمَاءِ مُمْكِنٌ حَقِيقَةً؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَصْعَدُونَ السَّمَاءَ وَكَذَا تَحَوُّلُ الْحَجَرِ ذَهَبًا بِتَحْوِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا كَانَ مُتَصَوَّرًا يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ مُوجِبًا لِخُلْفِهِ ثُمَّ يَحْنَثُ بِحُكْمِ الْعَجْزِ الثَّابِتِ عَادَةً.
كَمَا إذَا مَاتَ الْحَالِفُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ مَعَ احْتِمَالِ إعَادَةِ الْحَيَاةِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْكُوزِ، لِأَنَّ شُرْبَ الْمَاءِ الَّذِي فِي الْكُوزِ وَقْتَ الْحَلِفِ وَلَا مَاءَ فِيهِ لَا يُتَصَوَّرُ فَلَمْ يَنْعَقِدْ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ حَلَفَ لَيَصْعَدَن السَّمَاءَ) عَلَى مَا ذَكَرَهُ ظَاهِرٌ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ تَصَوُّرَ الْبَرِّ لَوْ كَانَ كَافِيًا فِي خَلْفِيَّةِ الْكَفَّارَةِ لَوَجَبَتْ فِي الْغَمُوسِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى إعَادَةِ الزَّمَانِ الْمَاضِي وَقَدْ فَعَلَهَا لِسُلَيْمَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَصَوُّرَ الْبَرِّ فِي الْغَمُوسِ بِأَنْ يَجْعَلَ الْفِعْلَ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ مَوْجُودًا مِنْهُ وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ.
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ مُتَصَوَّرًا يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ) إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ إيجَابَ الْعَبْدِ مُعْتَبَرٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِيجَابُ اللَّهِ تَعَالَى يَعْتَمِدُ التَّصَوُّرَ دُونَ الْقُدْرَةِ فِيمَا لَهُ حَلَفَ أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّوْمَ وَاجِبٌ عَلَى الشَّيْخِ الْفَانِي وَلَمْ تَكُنْ لَهُ قُدْرَةٌ لِمَكَانِ التَّصَوُّرِ وَالْحَلِفِ وَكَذَلِكَ هَهُنَا حَنِثَ عَقِيبَ وُجُوبِ الْبَرِّ فَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ لِلْعَجْزِ الثَّابِتِ عَادَةً كَمَا وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ هُنَاكَ عَقِيبَ وُجُوبِ الصَّوْمِ.